هل يمكن استعراض موازين القوى وقياس حسابات الربح والخسارة في سياقات التصعيد في المنطقه العربية مؤخرا في غزة ولبنان وسوريا .. الخ ، وآخرها مابين واشنطن وإيران؟
أم أن الوقت مازال مبكرا وأن الحسابات تزداد صعوبة ؟
في البداية هل يمكن إستعراض حرب الظل والصدام المباشر الآن ، هل نجد شبه اجابة على هذا السؤال: من يبتسم أخيراً في صراع أمريكا وإيران؟
وجعا وألما قدر علينا أن نكون في قلب الشرق الأوسط، حيث لا تغيب شمس الصراعات ، فإذا خفتت احداها ، إشتعلت أخرى!!.. وفي النار المشتعلة الآن بين واشنطن وطهران فوق أكبر حقول النفط والغاز في العالم يكون السؤال: من المستفيد الحقيقي والخاسر فيها ؟
• هل هي آلة الحرب الأمريكية التي تسعى لتثبيت الهيمنة وتشغيل مصانع الموت وتجريب احدث اسلحتها ، وكله بأموال العرب؟
• أم إسرائيل التي ترى في إضعاف إيران الحبل السرى للإستمرار بل والبقاء ؟
• وهل العرب كما جرت العادة،لايزالون هم "صندوق البريد" الذي يتلقى كل الرسائل الدامية ، والطرف الوحيد الذي يدفع الفاتورة الأكبر ولا يستطيع إرسال خطاب واحد ولو بغير علم الوصول الي جهة غير معلومة يئن فيه من وضعه؟!
وإستعراض أطراف النزاع قد يقربنا من معضلات بعض الأجوبة حتي ولو كانت غائمة .. !!
• واشنطن .. نصر عسكري مكلف ..ومأزق سياسي
نعم ورغم التفوق التكنولوجي الكاسح، ستخرج الولايات المتحدة من مواجهاتها الأخيرة مع إيران وهي تحمل "فاتورة" باهظة... اقتصادياً حيث تكلفت العمليات العسكرية مليارات الدولارات، ولا يوجد من يعوض تضرر سمعة الردع الأمريكي بعد إستهداف قواعدها في المنطقة وإصابة المئات من جنودها، وكشف وهم حمايتها التي حصلت بسببه طوال عشرات السنوات علي معظم عوائد الثروة العربية والولاء التام لسياساتها !!
نعم قد تكون قد حققت بعض المكاسب في مواجهة قد تكون غير متكافئه مثل تدمير أجزاء من البرنامج النووي وشبكة الرادارات وبعض البني التحتية الإيرانية، لكن في مقابل إستنزاف مالي وتراجع هيبة الردع!!
والسؤال هل هذه المكاسب تعادل الخسارة من تورط إدارة ترامب في حرب استنزاف تضعف شعبيته داخلياً وتفتح الباب لخصوم مثل الصين وروسيا للتمدد في مسارح أخرى، بل أتاح فرصة ذهبية ليرد الدب الروسي علي مستنقع اوكرانيا الذي غرسه فيه الغرب !!
والسؤال هل ترامب هو جورباتشوف امريكا الذي سيكون علي يديه انهيار وتفكك واضمحلال النفوذ الأمريكي مثلما فعل جورباتشوف فى الاتحاد السوفيتي القديم ؟!!
• طهران : "الصمود المُر" وخسارة البنية التحتية
نعم تلقت إيران ضربات موجعة في منشآتها الحيوية (نطنز، فوردو، وأصفهان)، و تبدو كأنها الخاسر الأكبر عسكرياً.. لكن في القاموس السياسي الإيراني، مجرد البقاء في السلطة ومنع "تغيير النظام" ...مع الصمود وإطلاق الصواريخ علي كل مكان يُعد نصراً ولو سياسيا ضد الكاوبوي الأمريكي !...نعم كانت الخسائر متعددة منها مقتل قادة عسكريين وعلي رأسهم المرشد ، وعلماء نوويين، وتدهور معيشي للشعب الإيراني، مع تهديدات بيئية كارثية نتيجة القصف.
لكن كله يهون أمام المكسب الذي تشعر به طهران مثل إثبات القدرة على ضرب العمق الإسرائيلي بهذه القوة ، وهو مالم يحدث منذ تم غرس الكيان الصهيوني بيننا ، مع ضرب بعض القواعد والسفن والطائرات الأمريكية ولو رمزيا ، مما يعزز موقفها في أي مفاوضات مستقبلية تحت شعار "الأمن للجميع أو لا أمن لأحد"!!
يعنى المكاسب تكمن في إثبات بعض الندية العسكرية ومنع سقوط النظام والخسارة عبارة عن دمار في البنية التحتية وعزلة دولية خانقة!
• إسرائيل: المستفيد "المتربص"
وأعتقد ان إسرائيل هي الفائز حتي ولو كان الفوز ببعض الوجع ، لإنها في أي مواجهة بين واشنطن وطهران يتحقق حلمها القديم بتفكيك "الهلال الشيعي".. نعم ..إسرائيل هي الرابح الاستراتيجي من تحجيم القدرات النووية الإيرانية دون أن تضطر لخوض حرب شاملة بمفردها...
لكن هل يعني ذلك انها ستخرج فائزة بالتخلص من "البعبع" النووي الإيراني مؤقتاً مقابل التعرض المباشر للصواريخ الباليستية ..يعني دفعت ثمنا لهذا الربح بسقوط صواريخ إيرانية على مدنها وفي العمق ، مما كسر أسطورة "الأمن المطلق".وحولت القبة الحديدية الي قبة من الصفيح !!
• العرب: هل هم الخاسر الوحيد؟
ويكون السؤال هل العرب هم الخاسر الوحيد؟.. تاريخياً، يُنظر للدول العربية على أنها ساحة للصراع ، للطامحين والمغامرين والمتصارعين وفي الحرب الأخيرة ، تتعدد الفواتير كالتالي:
• يدفع العرب في ساحة الصراع فاتورة الجغرافيا والبيئة من التلوث البيئي (الأمطار الحمضية والدخان الأسود) وتهديد أمن الطاقة عبر مضيق هرمز.
• أما الخسائر الاستراتيجية فهي متعددة منها تحول الأراضي العربية إلى "أهداف" حربية نتيجة وجود القواعد الأمريكية، وتعطل مشاريع التنمية بسبب حالة عدم الاستقرار.
• والمهم أنهم وحدهم يدفعون تكلفة الحرب ماليا ، يعني استنزاف الحاضر ورهن المستقبل !
لكن قد يرصد البعض مفارقة قد لا تعجب البعض لنكهتها الصهيونية بزعم استفادة بعض القوى العربية من ضعف النفوذ الإيراني في عواصم مثل بغداد وبيروت ودمشق، مما قد يتيح فرصة لاستعادة التوازن الإقليمي "إذا" أحسنت استغلال الفراغ...يعني قد يري بعض العرب ان المكسب في إمكانية تراجع التدخلات الإيرانية ، ولايدركون ان البديل ستكون تل ابيب مع دمار بيئي وتهديد اقتصادي، وتحول الجغرافيا لميدان معركة
• الخلاصة: الحرب الأمريكية الإيرانية لا تفرز فائزاً بالمعنى التقليدي.. هي "مباراة صفرية" حيث الجميع ينزف.. وإذا كانت أمريكا تخسر "هيبتها" وإيران تخسر "مقدراتها"، فإن المنطقة العربية تخسر "استقرارها ومستقبل أجيالها"، مما يجعل العرب - للأسف - الطرف الأكثر عرضة لدفع الأثمان الجانبية لصراع ليسوا شركاء في قراره، بل هم ضحايا جغرافيته.
وللحديث بقية عن الفائز والخاسر في حرب الخليج الجديدة !!
[email protected]